الشيخ محمد رشيد رضا
5
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ( 4 : 140 ) وقوله ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ( 63 : 8 ) وقوله وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 3 : 39 ) وعدهم اللّه تعالى هذه الوعود في حالي قلتهم وضعفهم وفقرهم وبعدهم عن الملك والسلطان ، وأنجز لهم ما وعدهم بما قضاه وجعله أثرا للاهتداء بالقرآن . هدى اللّه بهذا القرآن العرب ، وهدى بدعوتهم إليه أعظم شعوب العجم ، فكانوا به أئمة الأمم ، فبالاهتداء به قهروا أعظم دول الأرض المجاورة لهم . دولة الروم ( الرومان ) ودولة الفرس ، فهذه محوها من لوح الوجود بهدم سلطانها وإسلام شعبها ، وتلك سلبوها ما كان خاضعا لسلطانها من ممالك الشرق وشعوبه الكثيرة ، ثم فتحوا الكثير من ممالك الشرق والغرب حتى استولوا على بعض بلاد أوربة وألفوا فيها دولة عربية كانت زينة الأرض في العلوم والفنون والحضارة والعمران حاربوا شعوبا كثيرة كانت أقوى منهم في جميع ما يحتاج إليه القتال من عدد وعدد ، وسلاح وكراع ، وحصون وقلاع ، وقاتلوها في عقر دارها ، ومستقر قوتها ، وهم بعداء عن بلادهم ، ناءون عن مقر خلافتهم ، وإنما كانوا يفضلون أعداءهم بشئ واحد ، وهو صلاح أرواحهم الذي تبعه صلاح أعمالهم ، والروح البشرى أعظم قوى هذه الأرض ، سخر اللّه تعالى له سائر قواها ومادتها كما قال ( 2 : 28 هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) ( 45 : 12 وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) كان أرقى حكام الروم والفرس وغيرهم علما وفنا وأدبا وسياسة يفسد في الأرض ، ويعبث بالمال والعرض ، أو كما قال اللّه تعالى ( 2 : 204 وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) وكان المسلم العربي يتولى حكم بلد أو ولاية ، وهو لا علم عنده بشئ من فنون الدولة ، ولا من قوانين الحكومة ، ولم يمارس أساليب السياسة ، ولا طرق الإدارة ، وإنما كل ما عنده من العلم بعض سور من القرآن ، فيصلح من تلك الولاية فسادها ، ويحفظ أنفسها وأموالها وأعراضها ، ولا يستأثر بشئ من حقوقها ، هذا وهو في حال حرب ، وسياسة فتح ، مضطر لمراعاة تأمين المواصلات مع جيوش أمته وحكومتها ،